تقرير : معسكر العفَّاض بالدبَّة.. حضور دولة، وأصالة مجتمع.!!

إعلان هنا

معسكر العفَّاض بالدبَّة.. حضور دولة، وأصالة مجتمع.!!

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

تستمر الوفود الرسمية والشعبية في التدافع اليومي إلى معسكر العفّاض بمدينة الدبّة بالولاية الشمالية، في واحدة من أوسع حملات الإسناد الإنساني التي يشهدها السودان منذ اندلاع الحرب، التي أشعلت ثقابها ميليشيا الدعم السريع في منتصف أبريل 2023م، فقد شهد المعسكر زيارات العديد من المسؤولين السودانيين، وفي مقدمتهم رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بالإضافة إلى حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، والمفوَّض العام للعون الإنساني سلوى آدم بنية، إلى جانب حكومة الولاية الشمالية وعدد من الوزراء والولاة الاتحاديين والمؤسسات والهيئات العامة والخاصة، وقد شكلت هذه الزيارات المتواترة لوحة إنسانية نادرة تحكي عن روح السودانيين في لحظات الشدة، وتعكس ملحمة متجددة من قيم التكافل، والنفير، والهبة، ونجدة المستغيث، فقد تحوّل معسكر العفَّاص لنازحي دارفور إلى مساحة جامعة يتدافع نحوها السودانيون، كلٌّ بما يستطيع، ليؤكدوا للعالم أن السودانيين، مهما اشتدت جراحهم، ينهضون لبعضهم بعضاً بتكاتف وتكافل أمة، مجبولة على المودة والرحمة.

دلالة الاسم:
ويحمل معسكر النازحين في الدبّة اسماً ذا دلالة عميقة: “معسكر العفّاض”، تيمناً برجل الأعمال (أزهري المبارك العفّاض) الذي بادر في سرعة فائقة ولافتة بإنشاء المعسكر وتوفير الدعْم والإسناد للنازحين حال وصولهم، لتكون مبادرة العفَّاض امتداداً طبيعياً لقيم سودانية عريقة تُعلي من شأن التكافل والتراحم، وتُجسِّد أن السودانيين، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى، وقد قدّم السيد أزهري العفّاض نموذجاً نادراً في البذل الإنساني، إذ فتح يده وبسط ماله ووقته لنصرة النازحين، مستفيداً من دوره القيادي المعروف كرئيس للمقاومة الشعبية في عموم السودان، فوظَّف روحه النشطة، وحضوره المستمر داخل المعسكر، ومتابعته لأدقّ التفاصيل، ليؤكد أن الإرادة الفردية يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً في حماية مجتمع منكوب.

دلالات زيارات المسؤولين:
ووفقاً لشهود عيان فقد مثّلت الزيارات المتلاحقة للمسؤولين إلى معسكر العفّاض دلالة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية، فهي تعبّر أولاً عن إدراك الدولة لخطورة المأساة الإنسانية التي يعيشها النازحون القادمين من الفاشر، كما تؤكد أن قضية النزوح أصبحت همَّاً وطنياً يستوجب أعلى درجات المتابعة، وتحمل هذه الزيارات رسائل مباشرة بأن المسؤول السوداني لا يقف بعيداً عن الناس، بل ينزل إلى الميدان شاهداً على معاناتهم، وأن معسكر العفّاض أصبح قضية رأي عام وطني، تحشد حولها الدولة والمجتمع في آن واحد، وأن تكاتف الوزراء والولاة والهيئات والمؤسسات الخاصة والعامة، يشير إلى تماسك البنية الرسمية رغم الظروف القاسية التي تمر بها البلاد، وأن هذه الزيارات بقوتها الرمزية تبعث الطمأنينة في نفوس النازحين، وترفع الروح المعنوية، وتؤكد أن الدولة حاضرة، وأن المجتمع أصيل، وأن السودان حين تشتد عليه الخطوب يستعيد روحه الجامعة، وبحسب مراقبين فإن هذه الدلالات مجتمعة تمنح المشهد بعداً يتجاوز الإغاثة إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتأكيد قيمة التضامن الوطني في ظرف بالغ التعقيد.

ألم ينبض بالأمل:
الزائرون إلى معسكر العفّاض يؤكدون أن إطار الصورة داخل المعسكر يحتشد بمعاناة النازحين، وأن معظم هؤلاء النازحين من النساء والأطفال وكبار السن، بينما يندر وجود الشباب، وأن أبناء الولاية الشمالية قد شكّلوا حضوراً دائماً في المعسكر، يقدمون المساعدة، ويوفّرون الاحتياجات، ويقفون إلى جانب إخوتهم القادمين من الفاشر بلا كلل ولا ملل، وأن الخدمات الصحية كانت حاضرة بفضل عيادة جوّالة وفريق طبي يعمل على مدار اليوم، وأن المؤسسة التعاونية العسكرية كالعهد بها شكلت حضوراً لافتاً من خلال تنظيمها يوماً مفتوحاً للترفيه ورفع الروح المعنوية، الزائرون لمعسكر العفَّاض أكدوا أن المساعدات الإنسانية تدفقت بكميات تجاوزت الحاجة، حتى تكدست في المخازن، وهو دليل عافية على سخاء السودانيين أينما وجدوا، وأن الروح المعنوية للنازحين مرتفعة بصورة لافتة، ولسانهم لا ينقطع عن الشكر لأهل السودان عامة، وللقوات المسلحة بشكل خاص، ولا حديث لديهم يعلو على رغبتهم الأكيدة في العودة إلى الفاشر في أقرب فرصة، كانت من اللافت أن بعض النازحات داخل المعسكر ضربن مثالاً في الاعتماد على الذات، إذ انخرط بعضهن في أعمال صغيرة كبيع الفحم والحطب، في سيناريو يؤكد على أن أهل الفاشر، يعتمدون على أنفسهم، ولا ينتظرون الإغاثة حتى في أقسى الظروف.

خاتمة مهمة:
لقد مثَّل معسكر العفّاض للنازحين رسالة إنسانية وسياسية للمجتمعين الإقليمي والدولي، مفادها: أن السودانيين، رغم الحرب والانهيار الاقتصادي والتشتت السياسي، ما يزالون قادرين على الحفاظ على لحمتهم الاجتماعية حين تنادي الضرورة، وأن المشهد يعكس قدرة المجتمع على إدارة الكوارث بروح وطنية ذاتية، وأن الفاشر ليست بعيدة عن وجدان السودان كله، وأن التكافل الشعبي لا يزال أقوى من كل محاولات التفتيت، وسيبقى معسكر العفّاض بالدبّة عنواناً مضيئاً لروح السودان المتماسكة هناك، وما بين دموع الفقد وحنين العودة، تنهض قيم النفير والتكافل في أبهى صورها، فيسبق المجتمع الدولة، وتسبق المبادرات الشعبية كل الإجراءات الرسمية، إن ما يجري داخل معسكر العفّاض يعكس قدرة السودانيين على تحويل المأساة إلى مساحة أمل، وعلى تقديم نموذج حيّ للعالم بأن شعباً بهذه القيم، مهما طال عليه الليل، سيظل قادراً على النهوض وحماية بعضه بعضا

شارك المقال معنا

إعلان هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *